أخبار مصر

عاجل | خطبة الجمعة القادمة بعنوان : واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب – صوت الدعاة

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 12 ذو الحجة 1447هـ ، الموافق 29 مايو 2026م.

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 29 مايو 2026م بصيغة word بعنوان : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب.

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 29 مايو 2026م بصيغة pdf بعنوان : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 29 مايو 2026م بعنوان : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ : كما يلي:

 

واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ لعبادتِهِ، عبادةً بالمفهومِ الشاملِ الذي يتخذُ مِنَ الكونِ كلِّهِ محرابًا، وجعلَ لهذهِ العبادةِ علاماتٍ ومقتضياتٍ، تشيرُ إليها وتدلُّ على صدقِ التوجهِ بها، منها: ذكرُ اللهِ والمداومةُ عليهِ.

وكانَ الذكرُ مِنْ علاماتِ عبادةِ اللهِ ومقتضياتِها؛ لأنَّ المحبَّ عامةً يحرصُ على دوامِ ذكرِ محبوبِهِ، واستحضارِهِ في كلِّ موقفٍ يمرُّ بهِ؛ حتى إنَّهُ لو مرَّ بمكانٍ استحضرَ مرورَهُ بهِ مع محبوبِهِ، ولو أكلَ أكلةً كانتْ مفضَّلةً لدى مَنْ يهواهُ، قفزتْ صورتُهُ إلى ذهنِهِ بمجردِ رؤيتِهِ هذهِ الأكلةَ..

وهكذا، يصيرُ المحبوبُ حاضرًا في كلِّ أمرٍ، شاخصًا في كلِّ حالٍ.. فكيفَ بمنْ يحبُّ اللهَ تعالى؟

إنَّهُ لا شكَّ سيذكرُ اللهَ سبحانهُ في كلِّ موقفٍ يمرُّ بهِ، في كلِّ خيرٍ يصيبُهُ، وفي كلِّ ضائقةٍ تنفرجُ عنهُ، وفي كلِّ شدَّةٍ تزولُ، وفي كلِّ كربٍ يحدثُ.. سيذكرُ اللهَ شاكرًا أو داعيًا أو مستغفرًا أو مُثْنِيًا أو مُؤَمِّلًا أو راجيًا..

ومِنْ هنا تأتي أهميةُ الذكرِ؛ فهو غيرُ محصورٍ في حالٍ، ولا متعلِّقٌ بموقفٍ؛ وإنَّما هو منسابٌ في جميعِ الأحوالِ والمواقفِ، ولكلِّ واحدٍ منها ذكرُهُ اللائقُ بهِ والمناسبُ لهُ.

القرآنُ كتابُ الذِّكرِ

والمتأملُ في مادةِ الذكرِ في القرآنِ الكريمِ يجدُها ثريَّةَ المعاني، متنوعةَ الدلالاتِ، موزَّعةَ المواضعِ على امتدادِ سورٍ كثيرةٍ.. حتى قدْ يجوزُ لنا أنْ نصفَ القرآنَ الكريمَ بأنَّهُ كتابُ الذكرِ.

فقدْ جاءَ فيهِ الأمرُ بالذكرِ صراحةً: كما في قولِهِ تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (آل عمران: ٤١)، وقولِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} (النساء: ١٠٣).

ووردَ الأمرُ بالإكثارِ منهُ، وليسَ بمجردِ الأداءِ: مثلَ قولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الأحزاب: ٤١-٤٢).

وأمرَ القرآنُ بالذكرِ مُجملًا، كما في قولِهِ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (البقرة: ٢٠٣)، ومفصَّلًا بحيثُ يشملُ التسبيحَ والتكبيرَ وغيرَهُما، كما في قولِهِ تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} (الفرقان: ٥٨)، {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (الواقعة: ٧٤)، {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (المدثر: ٣)، {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (الأعلى: ١).

ووردَ الأمرُ بالذكرِ حتى في أحلكِ الظروفِ وأصعبِ المواضعِ، أيْ في القتالِ، وليسَ في مواضعِ الراحةِ والطمأنينةِ فحسبْ، فقالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأنفال: ٤٥).

وبيَّنَ القرآنُ الكريمُ أنَّ الذكرَ لا يرتبطُ بزمنٍ ولا حالٍ، وإنَّما هو مطلوبٌ في كلِّ الأوقاتِ والأحوالِ، قالَ تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (غافر: ٥٥)، وقالَ: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفتح: ٩)، وقالَ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} (ق: ٤٠).

وأوضحَ القرآنُ أنَّ جزاءَ الذكرِ مِنْ جنسِهِ، فكما يذكرُ العبدُ ربَّهُ، فإنَّ اللهَ تعالى يذكرُهُ، {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} (البقرة: ١٥٢)، وشتَّانَ بينَ ذكرِ اللهِ تعالى وذكرِ العبدِ!

كما أوضحَ أنَّ جزاءَ الذكرِ يعودُ على القلبِ ويُسبغُهُ بالطمأنينةِ والسكينةِ، قالَ تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: ٢٨).

ويستوقفُنا في القرآنِ أيضًا أنَّ الأمرَ بالذكرِ مُندمجٌ في السعيِ والحركةِ في الأرضِ، وليسَ جزءًا مِنَ التبتلِ والانقطاعِ للعبادةِ، أيْ أنَّ القيامَ بهِ لا يقتضي التفرغَ لهُ على نحوِ الرهبنةِ، قالَ تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة: ١٠)، فدلَّتِ الآيةُ على أنَّنا مأمورونَ بعدَ الصلاةِ بالانتشارِ في الأرضِ وبالذكرِ، فالذكرُ يأتي حالَ كونِنا منتشرينَ في الأرضِ، ليكونَ جزءًا مِنَ “المحرابِ الواسعِ”، وهوَ الكونُ كلُّهُ.

وقدْ أشارَ لهذا المعنى اللطيفِ ابنُ كثيرٍ عندَ تفسيرِ قولِهِ تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فقالَ: أيْ حالَ بيعِكُمْ وشرائِكُمْ، وأخذِكُمْ وعطائِكُمْ، اذكروا اللهَ ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلْكُمُ الدنيا عنِ الذي ينفعُكُمْ في الدارِ الآخرةِ. ولهذا جاءَ في الحديثِ: «مَنْ دخلَ سوقًا مِنَ الأسواقِ فقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ؛ كُتِبَتْ لهُ ألفُ ألفِ حسنةٍ، ومُحِيَ عنهُ ألفُ ألفِ سيئةٍ».

وقالَ مجاهدٌ: لا يكونُ العبدُ مِنَ الذاكرينَ اللهَ كثيرًا، حتى يذكرَ اللهَ قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.

الذِّكرُ حالٌ للأنبياءِ

والأنبياءُ، وهمُ المصطفَوْنَ الأخيارُ، كانوا مثالًا على ذكرِ اللهِ تعالى، لا يفترُ لسانُهُمْ عنِ التوجُّهِ إليهِ سبحانهُ، ولا يخرجُ حالُهُمْ عمَّا يوجبهُ هذا الذكرُ مِنَ الطاعةِ والامتثالِ، وكانَ خاتمُهُمْ محمدٌ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ سيِّدَ الذاكرينَ، وسابقَ الناسِ أجمعينَ في التحميدِ والتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ والتعظيمِ.

وقدِ التفتَ الشيخُ الغزاليُّ لهذا الحالِ مِنَ الذكرِ عندَ الأنبياءِ، فقالَ بعبارتِهِ البليغةِ مقارنًا بينَ أنبياءِ اللهِ تعالى موسى وعيسى وإبراهيمَ ومحمدٍ عليهمْ جميعًا الصلاةُ والسلامُ:

شُغِفْتُ بسيرِ العبادِ الصالحينَ، وحاولتُ أنْ أقبسَ منها شعاعًا أستضيءُ بهِ. كنتُ بقلبي معَ موسى في مدينَ، وهوَ يُحِسُّ لذعَ الوحشةِ والحاجةِ ويقولُ: “رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ”.

وكنتُ معَ عيسى وهوَ يواجهُ مساءلةً دقيقةً ويدفعُ عنْ نفسِهِ : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”.

وكنتُ معَ إبراهيمَ وهوَ بوادي مكةَ المُجدِبِ يُسلِّمُ ابنَهُ للقدرِ المرهوبِ، ويسألُ اللهَ الأُنْسَ لأهلِهِ: “رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”.

غيرَ أنِّي انبهرتُ، وتاهتْ مِنِّي نفسي وأنا بينَ يدَيِ النبيِّ الخاتمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ وهوَ يدعو ويدعو. لقدْ شعرتُ بأنِّي أمامَ فنٍّ في الدعاءِ ذاهبٍ في الطولِ والعرضِ، لمْ يُؤْثَرْ مثلُهُ عنِ المصطفينَ الأخيارِ على امتدادِ الأدهارِ.

ماذا فعلنا بالذِّكرِ؟

هكذا رأينا مسيرةَ الذكرِ في القرآنِ الكريمِ، وفي أحوالِ الأنبياءِ:

استحضارٌ دائمٌ لمعيةِ اللهِ تعالى في جميعِ الأوقاتِ والأحوالِ.

ثناءٌ حارٌّ على اللهِ تعالى، تكبيرًا وتحميدًا وتسبيحًا.

عملٌ موصولٌ بالقلبِ، نابعٌ منهُ وعائدٌ عليهِ بالسكينةِ والطمأنينةِ.

قولٌ باللسانِ، وعملٌ بالجوارحِ، فلكلِّ جارحةٍ ذكرٌ مطلوبٌ منها.

فعلٌ مُنساحٌ في المحرابِ الواسعِ الكونِ، وليسَ انقطاعًا بينَ الجدرانِ.

وعلى هذا الدربِ سارَ الصالحونَ، ثمَّ خَلَفَتْ مِنْ بعدِهِمْ خُلوفٌ حسبتِ الذكرَ:

عملًا باللسانِ وحدَهُ،

أو انقطاعًا للترديدِ،

أو منافسةً في مُكاثرةِ العددِ،

أو تنميقًا للعبارةِ،

أو هزًّا للأكتافِ وتمايلًا.

فَدَارُوا حَوْلَ الذِّكْرِ شَكْلًا، وَلَمْ يَنْفُذُوا إِلَى حَقِيقَتِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَلَمْ يَعُدِ الذِّكْرُ يَفْعَلُ فِعْلَهُ الْمَنُوطَ بِهِ، وَلَا يَتْرُكُ الْأَثَرَ الْمَرْجُوَّ مِنْهُ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنَ الْخَطَإِ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنَّ الذِّكْرَ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ وَثَوَابٌ كَبِيرٌ، كَمَا دَلَّتْ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ عَمَلٌ بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، إِنَّمَا كَانَ لَهُ هَذَا الْفَضْلُ لِمَا يَسْتَدْعِيهِ مِنْ تَفَكُّرٍ وَتَأَمُّلٍ، وَمِنْ خَشْيَةٍ وَامْتِثَالٍ، وَمِنْ حُبٍّ لِلَّهِ تَعَالَى وَخَوْفٍ مِنْهُ.

وَلِهَذَا كَانَ الذِّكْرُ مَطْلُوبًا بِاسْتِمْرَارٍ، فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، حَتَّى نَنْفُذَ إِلَى الْحِكْمَةِ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ حَالٍ أَوْ زَمَانٍ؛ فَنَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى خَيْرٍ حَصَلَ، أَوْ نَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ شَرٍّ وَقَعَ، أَوْ نَدْعُوَهُ فِي أَمْرٍ مَأْمُولٍ.

وَلَعَلَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِوَقْفَةٍ جَادَّةٍ نَسْتَدْرِكُ بِهَا مَا فَاتَنَا مِنَ الْعَيْشِ فِي رِحَابِ الذِّكْرِ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَمِنْ عَوْدَتِنَا إِلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي فَصَّلَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَسَلَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّالِحُونَ مِنْ بَعْدِهِ.

وَمِنْ جَمِيلِ مَا يُذْكَرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مِنَ الْحُجَّاجِ فِي مِنًى، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ، مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «فَتْحِ الْبَارِي» فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى بَابِ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حَيْثُ يَقُولُ: الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا؛ فَقَدْ شُرِعَ فِيهَا أَعْلَى الْعِبَادَاتِ، وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَسِرُّ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ فَاضِلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ غَفْلَةٍ فِي الْغَالِبِ، فَصَارَ لِلْعَابِدِ فِيهَا مَزِيدُ فَضْلٍ عَلَى الْعَابِدِ فِي غَيْرِهَا، كَمَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ مَانِعًا مِنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ، فَقَدْ نُهِيَ عَنْ صِيَامِهَا فِي مِنًى وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ؛ إِذْ هِيَ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».

وَالْمَعْنَى الَّذِي نَخْلُصُ إِلَيْهِ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ صِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الصِّيَامُ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ نَذْرًا.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: اشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، حَيْثُ هَيَّأَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَكُمْ مَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ؛ لِتَتَزَوَّدُوا فِيهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَلِتَغْتَنِمُوهَا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، الَّتِي مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ: زِيَارَةُ الْأَقَارِبِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَتَفَقُّدُ أَحْوَالِ الْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ، وَالتَّوَاصُلُ الْوُدِّيُّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَقَارِبِ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُمْ، وَمَدُّ يَدِ الْعَوْنِ وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، بِمَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْنِ الْمَادِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ.

وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وَرَدُّ الْمَظَالِمِ، وَالْإِقْلَاعُ عَنِ الذُّنُوبِ، وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَتَعْلِيمُ النَّاسِ وَنُصْحُهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَاتِ، وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَتَضَاعَفُ أُجُورُهَا، وَيَعْظُمُ ثَوَابُهَا، وَتَزِيدُ حَسَنَاتُهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ، بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ كَرَمِهِ سُبْحَانَهُ.

وَفِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَفُوتُنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَوَاصَى بِالْإِكْثَارِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَحْفَظَ حُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فِي حِلِّهِمْ وَتَرْحَالِهِمْ، وَأَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى أَدَاءِ مَنَاسِكِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ حَجَّهُمْ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيَهُمْ سَعْيًا مَشْكُورًا، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِمَّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَهُمْ مُلَبِّينَ مُحْرِمِينَ تَائِبِينَ مُنِيبِينَ.

كَمَا أَنَّنَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْفَضِيلَةِ أَنْ يَحْمِيَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَضُرٍّ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَأَنْ يَنْصُرَ مَنْ نَصَرَ الدِّينَ، وَأَنْ يُؤَيِّدَ بِنَصْرِهِ حُمَاةَ الْبِلَادِ الْمُخْلِصِينَ، وَأَنْ يَكُونَ جَلَّ فِي عُلَاهُ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَرْزُقَهُمُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ وَالثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا كُلَّ سُوءٍ وَشَرٍّ وَمَكْرٍ وَضُرٍّ، وَأَنْ يَكُونَ لَنَا مُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَمُعِينًا وَنَصِيرًا.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ شُكْرًا جَزِيلًا، وَنُثْنِي عَلَيْهِ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُرْسَلِينَ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ سَتُوَدِّعُونَ عَمَّا قَرِيبٍ عَامًا كَامِلًا مَضَى مِنْ أَعْمَارِكُمْ بِمَا أَوْدَعْتُمُوهُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ، فَالسَّعِيدُ مَنْ قَدَّمَ فِي أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ عَمَلًا صَالِحًا، وَقَوْلًا طَيِّبًا، وَنِيَّةً خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَالشَّقِيُّ مَنْ كَانَتْ صَحِيفَةُ أَعْمَالِهِ مَلِيئَةً بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالْآثَامِ وَالْخَطَايَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَذَكَّرَ بِمَا نَرَاهُ وَبِمَا نَعِيشُهُ مِنْ تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنْ تَكُونَ لَنَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ بِانْقِضَاءِ الْآجَالِ وَانْتِهَاءِ الْأَعْمَارِ، وَأَنْ نُدْرِكَ تَمَامَ الْإِدْرَاكِ أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ مَقَامٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَمَرٌّ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، وَأَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا مَا هِيَ إِلَّا كَمَا وَصَفَهَا رَبُّنَا جَلَّ فِي عُلَاهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غَافِرٍ: ٣٩].

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ إِذْ هَيَّأَ لَكُمْ مِنْ مَوَاسِمِ الْعُمُرِ وَنَفَائِسِ الْأَيَّامِ مَا يُمْكِنُ لَكُمْ أَنْ تَسْتَثْمِرُوهُ بِعِبَادَةٍ عَظِيمَةِ الْأَجْرِ، يَسِيرَةِ الْأَدَاءِ، تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَتَطْمَئِنُّ بِهَا قُلُوبُكُمْ، وَتَزْكُو بِهَا نُفُوسُكُمْ، وَتَطِيبُ بِهَا حَيَاتُكُمْ، وَتَسْعَدُونَ بِهَا فِي آخِرَتِكُمْ.

ثُمَّ اعْلَمُوا – بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ – أَنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الْأَحْزَابِ: ٥٦].

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِ التَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

أ.د. عبد الغني الغريب

 _______________________________

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 



جمال عبد العزيز

جمال عبد العزيز، محرر الشؤون السياسية والبرلمانية بـ بوابة البوابة نيوز. متخصص في تغطية أخبار الدولة المصرية، والسياسات الخارجية، والقضايا الأمنية والقانونية. بفضل متابعته اللحظية لمراكز صنع القرار، يقدم "جمال" محتوى إخبارياً دقيقاً يغطي كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية، والخدمية التي تشغل الرأي العام المصري والعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى