عاجل | عيد الأضحى: لماذا يحنّ الناس إلى “أعياد زمان”؟ #عاجل


غالباً ما أتساءل عندما أتذكر طفولتي، هل مظاهر الاحتفال بالعيد كانت أجمل حقاً أم نحن من كنا نشعر أن الحياة أكثر بساطة وهدوءاً، وهل فعلاً تغيّرت هذه المظاهر واختلفت عبر الزمن.
ربما يجد البعض أن طقوس العيد قد تختلف وتتغير مع تطور الحياة، فنجد عادات تستمر، وأخرى توشك على الاختفاء، بينما تُستحدث أخرى، ولكن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه كثيرون ولا يجدون فيه اختلافاً هو الفرحة بقدوم العيد.
فهل لا يزال العيد كما كان في طفولتكم أم تشعرون أن نكهته تغيّرت مع مرور الزمن؟ سؤال قد يجعلنا نحِنُّ إلى الماضي، ويظهر ذلك جليّاً مع المناسبات العامة التي يحتفل بها الناس، ولا سيما عيد الأضحى بكل ما يحمله من تفاصيل تبدأ بالتحضيرات له قبل أيام من حلوله، حيث تُنظف المنازل، وتُجهز الملابس الجديدة، وتُعد الأطعمة الخاصة والحلويات لاستقبال الضيوف. كما يُعد اختيار الأضحية من أهم مراحل التحضير للكثير من العائلات في عيد الأضحى.
هل فقد العيد بريقه وبهجته فعلاً؟
ولمعرفة حقيقة ما إذا كان العيد اليوم يبدو مختلفاً عن أيامه قديماً، وكيف حقاً تغيرت مظاهر العيد عبر الأجيال، توجهتُ بسؤالي إلى المختص بعلم الاجتماع الدكتور كمال ميرزا الذي أجاب بقوله: “إن التغيّر الاجتماعي هو سنّة الحياة، وتطور العادات والتقاليد مع الزمن هي مسألة طبيعية، ولكن المشكلة تحدث من منظور اجتماعي عندما تكون وتيرة التغيّر متسارعة، وأكبر من قدرة البنية الاجتماعية على مواكبتها والتكيّف معها، أو عندما تكون التغيّرات نوعيّة حادة، وتخلق فجوة في الرؤى والمفاهيم والتطلعات والسلوكيات بين الأجيال الملزمة بالعيش مع بعضها البعض”.
وأضاف: “إن التغيّرات التي شهدتها طقوس وعادات عيدي الفطر والأضحى، والطقوس والعادات الاجتماعية عموماً، خلال العقود الثلاثة الماضية، أو مع إيغالنا أكثر وأكثر في ما يسمّى “طور العولمة”، هي تغيّرات يمكن وصفها بالسريعة والحادّة”.
في الماضي، كان العيد عادةً يبدأ بالتحري الجماعي للهلال، إذ تجتمع العائلات على أسطح المنازل أو في الساحات لمتابعة إعلان دخوله. ومع بزوغ فجر العيد، تكتظ المساجد بالمصلين الذين يتبادلون التهاني عقب صلاة العيد، لتبدأ بعدها جولة طويلة من الزيارات للأهل والأقارب والجيران، حيث تمتلئ المجالس برائحة القهوة العربية والمعمول أو كعك العيد، وسط أجواء يغمرها الدفء والتواصل المباشر وتُجدَّد من خلالها أواصر العلاقات الاجتماعية.
وبالنسبة للأطفال، فإن للعيد مكانة خاصة لديهم إذ يجوبون بملابسهم الجديدة الأحياء والشوارع، متشوقين لتلقّي العيدية من الكبار والتي كانت تُمنح يداً بيد وسط ضحكات وفرح كبيرين.
ما الذي تغيّر اليوم؟
ربما تطورت طرق الاحتفال بالعيد وتغيّرت، ويعزو المختص ميرزا ذلك لعدة أسباب: “مثل أي ظاهرة اجتماعية، هناك عوامل مركّبة ومتعددة تتداخل وتتفاعل مع بعضها البعض لإنتاج الظاهرة، وفي حالة التغيّرات التي طرأت على طقوس وعادات العيد يمكن القول إن هناك ثلاثة عوامل رئيسيّة تتمثل في اضمحلال شكل “الأسرة الممتدة” لصالح “الأسرة النووية”، وذلك نتيجة التغيّر في القاعدة الاقتصاديّة (العمل في الوظائف والأعمال الحرّة عوضاً عن العمل الجماعي في الزراعة أو المهن العائلية)، والتغيّر في نمط السكن من “منزل العائلة” الكبير الذي يضم عدّة أسر/أجيال إلى “الشقق السكنيّة” محدودة المساحة. وكذلك الانفتاح الثقافي أكثر وأكثر على الأفكار والقيم القادمة من المجتمعات الغربية التي توصف بالمتقدمة، خاصة فيما يتعلّق بـ”الحرية” و”الاستقلالية” و”الخصوصية” و”المساحة الشخصية”، الأمر الذي ولّد نزعة متنامية لدى الأسر والأفراد للتمركز أكثر وأكثر حول الذات على حساب الانتماء العائلي والاجتماعي الأكبر، بحيث أصبح الارتهان إلى عادات وممارسات ترتبط بمفاهيم مثل “الأصول” و”الواجب” و”العيب” بمثابة عبء معنوي تحاول الأسر والأفراد التنصّل منه قدر الإمكان”.
ويضيف: “إلى جانب العبء المعنوي، أصبحت طقوس وعادات العيد يُنظر إليها باعتبارها عبئاً مادياً، مثل “العيديّة” وملابس العيد والضيافة وخروف العيد، وأصبح مفهوم “الجدوى” بحكم النزعة الاستهلاكية المتنامية ينزع إلى أن إنفاق مثل هذه المبالغ على المنفعة والمتعة الشخصية مثل السفر للاستجمام خلال عطلة العيد، أو الخروج في رحلات وارتياد المطاعم هي مسألة أَولى من إنفاقها أو حتى “إهدارها” في سبيل تلبية واجبات اجتماعية “عفا عليها الزمن”، وبما يتعارض مع الجوهر الديني والأخلاقي لهذه الطقوس والعادات باعتبار أن قيماً مثل “البذل” و”الإيثار” و”الكرم” و”جبر الخواطر” هي في صميم فلسفة العيد وطقوسه”.
ويقول ميرزا إن هناك عاملاً إضافياً يرتبط بنمط البناء والتنظيم الحضري السائد، موضحاً أنه “لم يعد يدعم الكثير من طقوس وعادات العيد، فالأطفال لم يعد باستطاعتهم ممارسة ألعاب العيد التقليدية في الساحات والحواكير (أرض صغيرة المساحة متصلة بالسكن) والأزقة حتى لو أرادوا ذلك، ولم يعد بالإمكان تربية خروف العيد أو إحضاره وذبحه في فناء المنزل بحضور جميع أفراد الأسرة، وأصبح يُستعاض عن ذلك بمزودي خدمة يتولّون هم مهمة تدبّر الأضاحي وذبحها وتوزيعها، ما فرّغ مثل هذه الطقوس والشعائر من بُعدها الشخصي ومضمونها الاجتماعي والمعنوي”.
بين عبق الماضي وروح الحاضر
الاحتفالات بعيد الأضحى لربما اختلفت بين الماضي والحاضر بشكل لافت في ظل الحداثة المعاصرة، لكن ما زال الحفاظ على جوهرها الديني والاجتماعي موجوداً بشكل أو بآخر. ويرى البعض أنه أصبح مزيجاً يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين عبق الماضي وروح الحاضر. لذلك سألتُ عدداً من الأشخاص من أعمار مختلفة حول وجهة نظرهم، ما رأيهم بالعيد قديماً وحديثاً؟ وهذه كانت ردودهم:
“كنا نضع ملابس العيد عند الوسادة”
تقول أم محمد وهي في العقد السابع من العمر: “لقد تغيّرت طقوس العيد كثيراً بين الماضي والحاضر حين كنا أطفالاً وشباباً عما نحن عليه الآن، إذ كان الاستعداد لعيد الأضحى فرحة كبيرة تغمر نفوس الكبار والصغار، وكنا نشارك الأقارب والأصدقاء والجيران في شراء الأضاحي وذبحها عند البيوت وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين. وكذلك كنا نضع ملابس العيد عند الوسادة وننتظر الصباح بفارغ الصبر كي نرتديها بألوانها الزاهية، وكان للعيديات التي نحصل عليها مكانة خاصة في نفوسنا”.
مضيفة: “كانت الحياة بسيطة حيث كنا نتشارك في كل شيء وكأننا أسرة واحدة، أما في الحاضر فالفرق شاسع إذ أصبح الناس لايعرفون بعضهم البعض ويوجد بُعد كبير في العلاقات، حتى بات كل فرد من العائلة الواحدة مشغولاً بأموره الخاصة”.
“كانت البيوت ضيقة لكن القلوب كبيرة تسع الجميع”
وعلى مسافة قريبة يقف أبو سحر الذي يرى أن بساطة الحياة في الماضي كانت أكثر ما يميز العيد قائلاً: “لم تكن الحياة بهذا التعقيد، وكان الناس جميعهم قلوبهم على بعضهم البعض، حتى من كان يعود من الحج، الذي يعتبر من شعائر عيد الأضحى الرئيسية، يبدو وكأنه في “عرس ديني” ويأتي الناس للتهنئة. كانت البيوت ضيقة لكن القلوب كبيرة تسع الجميع، لكن الآن بات العيد وكأنه يوم عابر كأي يوم آخر، لذلك الفرحة والبهجة به أصبحت مختلفة وتغيّرت جداً”.
“أصبحت التهاني تُرسل من خلال مسجات عبر الهواتف المحمولة”
أم علاء التي تبلغ 60 عاماً، تُعلّق بقولها: “مع التقدم التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت التهاني تُجرى من خلال المسجات أو الرسائل عبر الهواتف المحمولة، وبات كثيرون يكتفون بذلك عوضاً حتى عن إجراء المكالمات الهاتفية المعتادة. وبالنسبة للزيارات فكانت أساسية إذ يصطحب كبار السن الأطفال لزيارة الأهل والأقارب، أما الآن فقد قَلّ ذلك بشكل ملحوظ حتى لم يعد الأطفال مكترثين لهذه الزيارات التي توطد الأواصر وصلة الرحم بين الأفراد”.
“بات العيد روتيناً وتكراراً في كل عام”
وتتذكر أم لين، وهي في العقد الرابع من عمرها، كيف كان العيد بالنسبة لها في طفولتها: “كان والدي يصطحبنا لزيارة جميع الأقارب لتهنئتهم بالعيد رغم المسافات المتباعدة، وهذا الأمر كان يجعلنا متلهفين للعيد كثيراً إذ نشعر بدفء العائلة وقربها وهو ما يعطي العيد طابعاً مميزاً وصبغة مختلفة، أما الآن أصبحنا نفتقد لهذا الشيء، وفقدنا ذلك الرونق وتلك الروح التي تجمعنا. وبات العيد بمثابة روتين وتكرار في كل عام من حيث الزيارات الاجتماعية وكأنها باتت عبئاً إضافياً على الأفراد”.
“في الغربة أصبح العيد منقوصاً”
ولفتت الثلاثينية أم كرم إلى أن كثيرين الآن باتوا مغتربين يعيشون أجواء العيد بعيداً عن عائلاتهم قائلة: “في السابق، لم تكن الغربة منتشرة كما هو عليه الحال الآن. إذ بات من الصعب على كثيرين قضاء عطلة العيد مع عائلاتهم في بلدانهم الأصلية، ما يجعل فرحة العيد منقوصة، وفقد معها العيد بهجته نتيجة البعد عن الأهل والأقارب والأصدقاء وتبادل الزيارات العائلية”.
“قلّت الزيارات وباتت مقتصرة على المقرّبين جداً من الأهل”
أما الشاب الجامعي غالب فيصف أجواء العيد: “عادة ما نزور أنا ووالدي جميع الأقارب طوال أيام العيد لتبادل التهاني في كل عام، ولكن هذه الأيام قلّت الزيارات وباتت مقتصرة على المقرّبين جداً من الأهل، وذلك نتيجة عدة عوامل جعلتنا نعتاد بمرور السنوات على تقليل هذه الزيارات، لكننا نحاول في كل عيد المحافظة على شعيرة ذبح الأضحية إذ نذهب معاً إلى الأسواق لاختيارها لتعزيز مفهوم روح المشاركة والتكافل الاجتماعي”.
“نُفضل السفر على الزيارات الاجتماعية المرهقة”
وهناك من يضع خططاً مسبقة لقضاء أيام العيد كما هو الحال بالنسبة للزوجين معتز ومريم اللذين يخططان للسفر في كل عيد أضحى، بقولهما: “نُفضل دوماً السفر خلال إجازة العيد، إذ نعتبرها فرصة للعائلة الصغيرة أن تقضي وقتاً ممتعاً معاً وخاصة لابننا الصغير الذي لا نجد وقتاً كافياً لاصطحابه إلى أماكن اللعب والترفيه خلال العيد نظراً للزيارات الاجتماعية الطويلة المُلزمين بالقيام بها إزاء الأهل والأقارب، ما يجعلنا فعلاً منهكين ومرهقين مع نهاية أيام العيد. كما أن السفر يجعلنا نتخلص من الضغوطات اليومية التي نعيشها، لذلك نخصص عيد الفطر للاجتماع مع أهلنا وأحبابنا، وعيد الأضحى للسفر والاستجمام”.
قد تتبدل أشكال الاحتفال بالعيد وتتغير الوسائل والأساليب، لكنه يبقى مناسبة للفرح والوصال والمشاركة مهما اختلفت التفاصيل، إذ يجمعنا الماضي باحتفالات الآباء والأجداد، والحاضر الذي يحمل بين طياته نبض التطور والحداثة.


🛈 تنويه: موقع “سيدر نيوز” غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً أو مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.



