النقض تصدر أول حكم بشأن جداول المخدرات بعد قرار «الدستورية» العليا

في حكم تاريخي هو الأول من نوعه، قضت محكمة النقض ببراءة متهم من تهمة إحراز مادة أحادي استيل مورفين بقصد الاتجار، مرسية مبدأ قانونيا جديدا يطبق حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 فبراير 2026، والذي قضى بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بشأن تعديل جداول المواد المخدرة، مما ترتب عليه خروج هذه المادة من نطاق التأثيم خلال فترة زمنية محددة، ليتحول مسار القضية من مطالبة النيابة العامة بتشديد العقوبة إلى القضاء بالبراءة الكاملة في الطعن رقم 23772 لسنة 95 قضائية.
لماذا يعد هذا الحكم انتصارا قانونيا للمتهمين؟
تكمن أهمية هذا الحكم في كونه الترجمة القضائية الأولى والعملية لحكم المحكمة الدستورية الذي جرد رئيس هيئة الدواء من صلاحية تعديل جداول المخدرات، وهي السلطة التي كانت قد استحدثت بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019. وتتمثل الاستفادة المباشرة للمواطنين والمتهمين في قضايا مماثلة فيما يلي:
- اسقاط تهمة الاتجار في مادة أحادي أسيتيل المورفين عن أي واقعة حدثت في الفترة من 19 أكتوبر 2021 وحتى 17 فبراير 2026.
- تطبيق مبدأ القانون الأصلح للمتهم، حيث اعتبر الحكم أن المادة لم تكن تندرج ضمن الجداول المحظورة قانونا وقت ارتكاب الواقعة نظرا لصدور قرار إدراجها من جهة غير مختصة دستوريا بجواز التشريع الجنائي.
- توقيف أثر قرارات رئيس هيئة الدواء التي استحدثت مواد مخدرة جديدة، مما يفتح الباب أمام مراجعة قانونية واسعة للعديد من الأحكام الصادرة في قضايا “المواد المخلقة” المماثلة.
خلفية رقمية ومقارنة قانونية لمسار المادة المخدرة
يعكس الحكم تضاربا تشريعيا تم حسمه لصالح المتهم، حيث مرت مادة أحادي أسيتيل المورفين بثلاث محطات رئيسية حددت قانونية حيازتها من عدمه:
- المرحلة الأولى: قبل 19 أكتوبر 2021، لم تكن المادة مدرجة بقرار وزاري صادر من السلطة المختصة (وزارة الصحة).
- المرحلة الثانية: في 19 أكتوبر 2021، صدر قرار رئيس هيئة الدواء بإدراجها، وهو القرار الذي قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته في القضية رقم 33 لسنة 47 دستورية.
- المرحلة الثالثة: عودة المادة رسميا لدائرة التأثيم بقرار من وزير الصحة في 17 فبراير 2026، وهو التاريخ الذي يمثل العودة الفاشلة للمادة إلى جداول المخدرات بقرار قانوني صحيح.
ويوضح السياق القانوني أن الحكم بالبراءة استند إلى أن الفترة البينية (ما بين قرار هيئة الدواء وحكم الدستورية) شهدت “فراغا عقابيا” لهذه المادة تحديدا، مما يجعل إحرازها لا يشكل جريمة قانونية تستوجب العقاب مهما كانت الكمية المضبوطة.
متابعة قانونية ورصد للتوقعات المستقبلية
من المنتظر أن يؤدي هذا المبدأ الذي أرسته محكمة النقض إلى موجة من الطعون وإعادة المحاكمات في قضايا المخدرات التي استندت فيها الأحكام إلى قرارات هيئة الدواء الملغاة. ويرى خبراء القانون أن هذا الحكم يعيد الانضباط لمنظومة التشريع الجنائي، مؤكدا أن إدراج المواد المخدرة وتحديد العقوبات المقيدة للحرية هو اختصاص أصيل لوزير الصحة بناء على تفويض قانوني، أو للبرلمان عبر تشريعات مباشرة، ولا يجوز التفويض فيه لجهات إدارية أخرى.
وستشهد الفترة المقبلة مراقبة دقيقة من الدوائر الجنائية لكافة المواد التي تم إدراجها بقرارات الهيئة منذ عام 2021، لضمان مواءمتها مع صحيح القانون والدستور، مع توقعات بصدور قرارات تصحيحية شاملة من وزارة الصحة لسد أي ثغرات قانونية قد يستفيد منها المتورطون في تجارة المواد المخدرة المستحدثة.




