عقد أول لواء في الإسلام لحمزة بن عبد المطلب في «4» رمضان

يستعد العالم الاسلامي لاستقبال نفحات شهر رمضان المبارك، الذي لم يكن يوما مجرد شهر للعبادة والسكينة فحسب، بل كان عبر التاريخ ميدانا لتحولات كبرى رسمت ملامح الحضارة الاسلامية وغيرت موازين القوى في المنطقة العربية والعالم. فمنذ العام 1 هجرية وحتى سقوط الامبراطوريات الكبرى، شهدت أيام هذا الشهر في تواريخها المختلفة صدور قرارات مصيرية عسكرية وسياسية، بدأت بعقد أول لواء في الاسلام وانتهت بترسيخ نظم الحكم في بلاد الأندلس، مما يجعل من قراءة هذا التاريخ ضرورة لفهم السياق الحضاري الذي نعيشه اليوم في مواجهة التحديات المعاصرة.
محطات فارقة في التاريخ الاسلامي
تتجلى القيمة التاريخية لهذا اليوم في كونه شهد بزوغ الفجر العسكري للدولة الاسلامية الناشئة في المدينة المنورة، وما تلاها من انتصارات استراتيجية استردت الحقوق العربية من القوى الاستعمارية القديمة. ويمكن رصد أبرز هذه الأحداث في النقاط التالية:
- عقد أول لواء عسكري: في العام 1 هجرية (الموافق 623 ميلادية)، وضع الرسول صلى الله عليه وسلم حجر الأساس للنظام العسكري الاسلامي بتسليم اللواء لعم النبي حمزة بن عبد المطلب، الملقب بسيد الشهداء، لقيادة 30 رجلا من المهاجرين في مهمة استراتيجية لاعتراض قافلة قريش.
- استرداد أنطاكية: في العام 660 هجرية، نجح السلطان الظاهر بيبرس في كسر شوكة الفرنجة واستعادة إمارة أنطاكية التي ظلت تحت الاحتلال الصليبي لمدة 75 عاما، وهو انتصار عزز سيادة المماليك على مصر والشام.
- الاستقرار السياسي في الأندلس: في العام 414 هجرية، أنهى أهل قرطبة حالة الفراغ السياسي التي دامت 21 يوما باختيار عبد الرحمن بن هشام الأموي خليفة لهم، بعد التخلص من سيطرة البربر.
قيمة الانتصارات في ميزان القوى
عند تحليل هذه الأحداث بلغة الأرقام والسياق الجيوسياسي، نجد أن تحرك الظاهر بيبرس نحو أنطاكية لم يكن مجرد حملة عسكرية عابرة، بل كان استهدافا لثاني أهم الإمارت الصليبية في المشرق. الحصار الذي فرضه بيبرس أدى إلى استسلام القوات المتحصنة داخل المدينة، مما أنهى عقودا من الهيمنة الأجنبية على سواحل الشام. وفي المقابل، نجد أن اختيار أهل قرطبة لخليفة أموي في العام 1023 ميلادية كان يمثل عودة الشرعية السياسية لإنقاذ الأندلس من فوضى حكم الطوائف المبكر، حيث كانت المدينة بدون حاكم فعلي لنحو 3 أسابيع كاملة.
الدروس المستفادة والرصد التاريخي
تؤكد الشواهد التاريخية أن شهر رمضان كان دائما محفزا للتغيير والنهضة. ففي حين كانت قريش تخرج بجيش قوامه 300 رجل بقيادة أبي جهل لتأمين تجارتها، كانت الدولة الاسلامية الوليدة تتعامل بذكاء استراتيجي عبر مفارز صغيرة تفرض سيطرتها على طرق التجارة دون الحاجة للدخول في مواجهات دموية غير محسوبة، وهو ما يدرس اليوم في العلوم السياسية كنوع من “الردع الاستراتيجي”.
توقعات واستشراف للمستقبل
إن استحضار هذه الذاكرة التاريخية مع قرب حلول شهر رمضان يسهم في تعزيز الوعي الجمعي بالقدرة على تجاوز الأزمات الراهنة. وكما نجح القادة السابقون في تحويل التحديات العسكرية والسياسية إلى فرص لبناء دول قوية ومستقرة، يمكن للمجتمعات الاسلامية المعاصرة استلهام هذه الروح في إدارة مواردها ومواجهة الأزمات الاقتصادية بصلابة وتنظيم، تماما كما فعل أهل قرطبة حين نظموا صفوفهم لاختيار حاكم ينهي حالة الفوضى في أقل من شهر.




